فوزي آل سيف

169

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

فإذا قيل له أن الله يفرج عن المؤمنين وينصرهم، يتصور أنه ما دام قيل له هذا الكلام، فلا بد أن يتحقق ذلك بعد دقيقة. وإذا طال، فبعد يوم. فإذا كان في علم الله أن ذلك سيحصل بعد وإذا قيل له إنك تشفى إن شاء الله! لأن الله تعالى يشفي المرضى؛ فإنه يتصور أنه لا بد أن تحرق المراحل حرقا ويتحقق ذلك في اللحظة! ولكي يؤمن بأنه (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)[390]فمعنى ذلك أن تتيسر أموره كلها بعد قراءة الآية مباشرة! ولأن الأمر ليس كذلك لأن الكون قائم على أنظمة وقوانين، وأن المعجزة فيه هي الاستثناء! لذلك فإن مثل هؤلاء لا يلبث أن يأكلهم وحش القنوط واليأس! وليت الأمر يقف عند هذا الحد، وإنما سينتج عنه بعدما تمكن اليأس منه؛ تناقص الإيمان. إننا نعتقد أن الإيمان كما يزيد ينقص، ومثلما يمكن أن يزداد الإنسان إيمانا بزيادة عباداته كمًّا والخشوع فيها كيفًا، ومما يقوي بنية الإيمان من العبادات هو ما فيها من قرآن وأذكار وما تحمل من معانٍ، فإذا كرر المصلي قوله تعالى (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (*) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (*) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[391] فإنه يستحضر في ذهنه رحمة الله ورحمانيته ومالكيته وحاكميته فيطلب منه العون بعد اعترافه بعبادته إياه وحده، وهذه المعاني تترسخ بالتدريج وتتكرس بمرور الأيام، كلما قرأ هذه الآيات في السورة وكلما صلى لله فريضة. وكذلك بالنسبة للأذكار التي تتضمنها الصلاة أو تتلى خارج الصلاة. وفيما تؤدي العبادات بأنواعها، والأذكار بأصنافها إلى زيادة الايمان والاعتقاد بقدرة الله ورحمته واستجابته، فإن عنصر القنوط واليأس يأخذ اتجاها معاكسا تماما، بتشكيك المؤمن في تلك الاعتقادات، وإضعاف إرادة المؤمن أمام طلباته، ويقوم الشيطان هنا بدور مؤثر عندما يعِده الفقر، ويضخم السلبيات، ويزيد المخاوف! فهو هنا لا ينظر إلى المشاكل باعتبارها حالة طبيعية في الدنيا التي خلقت كدار ابتلاء، تتبلور فيها طاقات الإنسان في اكتشاف الحلول، وتحويل المشاكل بتحديها إلى رافعة له للتقدم وابتكار طرق جديدة لتسهيل أمور الحياة، وهكذا يحصل التقدم الدنيوي، فمن دون تحدي المشاكل والتغلب عليها بابتكار الأفكار والأدوات والوسائل لا يتقدم العلم ولا الاقتصاد ولا غير ذلك. وكذلك الحال فيما يرتبط بالناحية الدينية فإن تحدي الابتلاءات بالصبر عليها وتحقيق التوكل على الله سبحانه، يزيد إيمان المؤمن ويشعره بحلاوة اليقين ويتذوق لذه التغلب على الشيطان.. اليائس والقانط لا يفهم شيئا مما سبق، وإنما يزيده البلاء نكوصا، والمشاكل فشلا، فيقول لك بالصراحة وضعي يسوء يوما بعد يوم، وصحتي تتدهور وأمراضي تزيد، وتجارتي تخسر.. ويقرأ عليك قائمة بما يتوقعه من الأمور السيئة! مما هو تطبيق لما قاله الله سبحانه عن دور الشيطان في حياة الإنسان في أنه (يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ)[392]الشيطان عمله أن يسود صورة المستقبل في وجهك، وأن يخبرك ـ وهو كاذب ـ بأن السوء هو في انتظارك. ولك أن تجرب هذا.. وقد حصل لي أن كنت أشجع أحد الأزواج الشباب على أن يتواصل مع زوجته التي حدث بينها وبينه سوء فهم أدى للخصام، وأن يتكلم معها كلامًا طيبًا، فإن الأمور سوف تتحسن إن

--> 390 ) الشرح:6 391 ) الفاتحة 3ـ 5 392 البقرة: 268